ابن أبي الحديد
54
شرح نهج البلاغة
خص الغراب بذلك لحدة نظره ، أي فكيف غيره . ومما جاء في تحسين اللفظ ما روى أن المنصور كان في بستان داره والربيع بين يديه ، فقال له : ما هذه الشجرة فقال : ( وفاق ) يا أمير المؤمنين ، وكانت شجرة خلاف ، فاستحسن منه ذلك . ومثل هذا استحسان الرشيد قول عبد الملك بن صالح ، وقد أهدى إليه باكورة فاكهة في أطباق خيزران : بعثت إلى أمير المؤمنين في أطباق قضبان تحمل من جنايا باكورة بستانه ما راج وأينع . فقال الرشيد لمن حضر : ما أحسن ما كنى عن اسم أمنا ! . ويقال : إن عبد الملك سبق بهذه الكناية ، وإن الهادي قال لابن دأب ، وفى يده عصا : ما جنس هذه ؟ فقال : من أصول القنا - يعنى الخيزران . والخيزران أم ا لهادي والرشيد معا . وشبيه بذلك ما يقال : إن الحسن بن سهل كان في يده ضغث من أطراف الأراك ، فسأله المأمون عنه : ما هذه ؟ فقال : ( محاسنك ) يا أمير المؤمنين ، تجنبا لان يقول : ( مساويك ) ، وهذا لطيف . ومن الكنايات اللطيفة أن عبد الملك بعث الشعبي إلى أخيه عبد العزيز بن مروان وهو أمير مصر يومئذ ، لسبر أخلاقه وسياسته ، ويعود إليه فيخبره بحاله ، فلما عاد سأله فقال : وجدته أحوج الناس إلى بقائك يا أمير المؤمنين ، وكان عبد العزيز يضعف . ومن الألفاظ التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وآله من باب الكنايات قوله صلى الله عليه وآله : ( بعثت إلى الأسود والأحمر ) ، يريد إلى العرب والعجم ، فكنى عن العرب بالسود وعن العجم بالحمر ، والعرب تسمى العجمي أحمر ، لان الشقرة تغلب عليه .